من المهم قبل البدء في التداول فهم كافة جوانبه ومعرفة بعض المخاطر المحيطة به لتجنبها، فيكون من اللازم معرفة ما هو التداول الانتقامي حيث إنه من التحديات التي يقع فيها الكثير من المتداولين دون فهم أسبابها وكيفية تجنبها؛ مما يوقعهم في الكثير من الخسائر، على عكس الواعي بها والذي يتمكن من التوقف عند ملاحظة علاماتها على الفور لتجنب الوقوع في فخ الصفقات الخاسرة.
ما هو التداول الانتقامي؟
هناك العديد من المصطلحات المتعلقة بمخاطر الاستثمار في العملات الرقمية أو الأصول الرقمية والتي يجب إدراكها وفهمها جيدًا قبل الدخول في أي صفقة لتجنب خسارتها، فما هو التداول الانتقامي؟
يعتبر التداول الانتقامي شعور نفسي يدخل فيه المتداول عند خسارة إحدى الصفقات، ويكون هذا الشعور ناتج من الرغبة في تعويض الخسارة؛ الأمر الذي يؤدي به إلى اتخاذ القرارات المتسرعة والخاطئة الناتجة من التأثر بالعواطف دون الرجوع إلى استراتجية التداول.
فقد يقوم بزيادة حجم الصفقة إلى الضعف، أو غيرها من القرارات التي تؤدي إلى خسائر أكبر، فيظهر بشكل فعلي أثناء التداول دون إنذار سابق ولا يكون المتداول واعيًا به، ويعتبر التداول الانتقامي:
- أحد التحديات التي تعيق المتداول على الاستمرار والحفاظ على أدائه.
- لا يكون ناتجًا من عدم المعرفة بقواعد التداول أو المهارات اللازمة.
- يبدأ عندما تسوء إحدى الصفقات فيتجنب المتداول التفكير المنطقي ويتجاوز القواعد وخطة التداولة ويبدأ في إظهار ردود فعل عاطفية بسبب الرغبة في تصحيح الوضع، وحينها يبدأ الوضع في التدهور أكثر.
يجب معرفة أن الشعور بالغضب أو القلق عندما تسوء الصفقة ليس أمرًا غريبًا أو خطرًا، لكن الاندفاع والدخول في صفقة أخرى بسبب الاعتقاد أن صفقة واحدة ناجحة تعوض الخسارة هو ما يجعل المتداول يقتنع بزيادة حجم الصفقة وتجاوز الحدود اليومية، فالمتداوين المحترفين مدركين أن الدخول في صفقات لا يعني الربح في كل مرة؛
بل الاستمرار هو المهم، فالأمر يحتاج إلى امتلاك هدوء كافٍ من أجل الانسحاب عند إدراك عدم وجود فرصة للربح، وامتلاك القدرة على التمييز بين القرارات المرتبطة بالعاطفة والتي يتم اتخاذها بناءً على الاستراتيجية المحددة للتداول.
والتنظيم هو أساس تحقيق ذلك حيث يساعد على امتلاك المرونة والموازنة بين الذهن والعقل وحماية المتداول عند الشعور بالقلق.
قد يهمك: ما هو مؤشر الخوف والطمع للعملات الرقمية؟ وكيف يؤثر في السوق؟
أسباب اللجوء إلى التداول الانتقامي
يلجأ الكثير من متداولي العملات الرقمية إلى التداول الانتقامي وذلك للعديد من الأسباب أبرزها: الانتقام من سوق تداول العملات الرقمية للخسائر التي تعرضوا لها من أجل التعادل، وذلك بسبب سيطرة العاطفة على العقل فلا يتبع المتداول أي خطة في التداول بل يعود إلى السوق بعقلية المقامر من أجل تحقيق صفقة رابحة؛
ظنًّا منه أن تلك الصفقة ستعوضه عن خسارته، إلا أنه قد يقع في الفخ وبدلًا من صفقة خاسرة واحدة قد يقع في الكثير من الخسائر بسبب عدم الرغبة في التوقف حتى تحقيق صفقة ناجحة.
علامات استخدام التداول الانتقامي

عند اشتداد العاطفة في التداول يفقد المتداول الانضباط كما أنه يشعر بأنه يحقق شيئًا ويحصل على شعور زائف بالإنتاجية، لكن الواقع عكس ذلك حيث يبتعد عن الاستراتيجية التي أعدها في البداية، وللتأكد من الوقوع في فخ التداول الانتقامي يمكن ملاحظة بعض العلامات، مثل:
- زيادة حجم الصفقات بعد الخسارة، من أجل تعويض الخسارة وتحقيق أرباح أعلى.
- تجاهل الاستراتيجية المتبعة، وتجاوز قواعد إدارة المخاطر التي كان يلتزم بها المتداول.
- الدخول في صفقات جديدة دون التحقق منها بشكل مناسب، أو التمسك بصفقة رغم تشغيل أمر وقف الخسارة.
- الاندفاع في اختيار الصفقات دون تفكير مسبق أو تحليل لها، ودون الانتظار لمعرفة إذا كانت ظروف الصفقة مناسبة للخطة.
- عدم تذكر الصفقات التي يتم الدخول بها، والتي فقط كانت بهدف الشعور باستعادة السيطرة أو تحقيق تقدم.
- تغير الشعور العاطفي بدلًا من التركيز والهدوء إلى الإحباط والقلق.
- عدم التركيز أو البحث عن الفرص التي توفر احتمالات واضحة يصبح هدف المتداول التعادل، حيث يعتقد أن التعادل سيزيل الأثر النفسي السيئ للخسارة.
لذا عند ملاحظة أيٍ من العلامات السابقة يجب التوقف قليلًا والتفكير بدلًا من الاندفاع خلف العاطفة، حيث لا تكون القرارات مبنية على رؤية واضحة ويتم الخروج عن استراتيجية التداول.
وقد أشارت منصة (FTMO) للتداول أن التداول الانتقامي هي الوسيلة الأسرع لخسارة الحسابات الممولة، ولا يرجع سبب ذلك إلى مهارات يفقدها المتداول بل بسبب أن صفقة واحدة خاسرة تتحول إلى قرارات متسرعة وعاطفية خاطئة.
فمن المهم أن يكون المتداول واعيًا لقراراته والتمكن من التوقف مؤقتًا بدلًا من الوقع في صفقات خاسرة متتالية.
قد يهمك: نصائح فعالة ومجربة لتخزين العملات الرقمية بأمان
تجربتي مع التداول الانتقامي
من أهم الدروس التي تعلمتها خلال التداول هي اللحظات التي كنت أرغب في نسيانها وليس لحظات النجاح، حيث تعرضت إلى خسارة كبيرة نتيجة خطأ وقعت فيه، والذي حدث عندما بدأت مع بورصة (ناسداك) فقد كنت امتلك في الحساب الشخصي 10 آلاف دولار.
وبعد دراسة وتحليل البيانات والاطلاع على توجهات السوق وتتبع الأخبار حتى شعرت أنها اللحظة المناسبة للدخول في صفقة؛ حيث كان:
حجم التداول يتراجع وكانت كل المؤشرات توحي بالثقة في الصفقة ثم أخذت القرار بالدخول فيها بعد مراجعة الخطة وتحديد حجم الصفقة بما يتناسب معي قمت بالدخول وقد كانت بدراسة سابقة وليس قرارًا متهورًا إلا أنه بعد الدخول بشكل مباشر تغير السوق لكن لم يبد لي الأمر أنه يستدعي القلق وأنه مجرد ضجيج.
فلم اتأثر بتلك الأحداث ولم أقم بإيقاف الصفقة.. إلا أن هذا التحرك في السعر بدأ في التسارع بشكل غير متوقع ولم استطع التفكير جيدًا في الوضع إلى أن وجدت انخفاض الرصيد في حسابي إلى ما يقارب 7 آلاف دولار.
فكانت الخسارة كبيرة بالنسبة لي، وعلى الرغم من تدوين قواعد إدارة المخاطر إلا أنني لم أتمكن من الالتزام بها ليس بسبب النسيان بل بسبب عدم رغبتي في ذلك؛ ذلك أنني لم أتقبل فكرة الخسارة وإنهاء يوم التداول بذلك التراجع الأمر الذي دفعني إلى رفع قيمة الصفقة.
ولم يكن ذلك بسبب التقييمات الجيدة للوضع أو الرجوع إلى البيانات لكن بسبب الأمل في الرجوع إلى السوق وتعويض الخسارة بشكل سريع ثم إيقاف الصفقة وكنت أشعر بأن الأمور تسير على نحوٍ جيد، وما حدث بعدها كالتالي:
- الفرصة الثانية كانت أسوأ حيث استمر انخفاض المؤشر وبدأ رصيد الحساب ينخفض أكثر بالإضافة إلى أنني كنت قد أضفت إلى الحساب 2000 دولار، فبدأت أخسر هذا المال أيضًا.
- على الرغم من الورطة التي وقعت فيها إلا أنني لم أتوقف بل اخترت زوج عملات آخر ظنًّا أنني سوف أعوض تلك الخسارة الثانية وأحقق ربح سريع إلا أنها لم تنجح أيضًا.
- انتقلت إلى الذهب حيث كنت أقنع نفسي أنه لإنهاء اليوم والوصول إلى نقطة التعادل لا بد من الحصول على دفعة واحدة قوية، لكن كلما زادت الصفقات تعرضت إلى خسائر أكبر.
فلم تكن تلك الصفقات جزء من استراتيجية التداول ولم أحصل على النتائج التي توقعتها، فكنت اتصرف باندفاع محاولةً لإيقاف الخسائر فقط مما زاد الوضع سوءً، ولم أضع في الاعتبار نقاط الدخول أو الخروج بل كنت أتصرف وفقًا للعاطفة دون الانتباه للمخاطر وانتهي يوم التداول ورصيدي في الحساب أقل من 4500 دولار.
تلك الخسارة لم تشعرني بالغضب؛ بل كنت أشعر بفقدان القدرة على سيطرة العقل على الموقف، والتصرف بشكل تلقائي رغم أنني كنت أمتلك خبرة كبيرة في المجال وكنت مدرك لمعايير المخاطرة والاستراتيجيات لكن لم يكن كل ذلك مؤثرًا على موقفي في تلك اللحظة.
فقد فقدت السيطرة على نفسي واتبعت عاطفتي، فكانت تلك المخاطرة الحقيقية والتي كانت بدافع الانتقام والذي تحول إلى سلسلة من الصفقات الخاسرة في محاولةٍ مني للهروب من شعوري حينها بالخسارة والشعور بعدم الراحة وعدم القدرة على التوصل إلى حل ومعالجة المشكلة.
فاعتقدت أن الأمور لا زالت بيدي وأنني سأصلك تلك الأخطاء إلا أنه في الحقيقة كنت أزيد الوضع سوءً، وبعد مرور تلك الفترة أدركت أن الالتزام بحدود التداول اليومي وعدم تعدي خد الخسارة الثابت كان يمكنه حل كل ذلك.
تعرف على: تجربتي مع البيتكوين وكيف تجنبت مخاطرها؟
أضرار التداول الانتقامي على المدى الطويل
قد يدل تعريف ما هو التداول الانتقامي على أنه عادة سيئة يمكن الحد منها وتجنبها بمراعاة بعض الجوانب المهمة للتداول، إلا أن ذلك ليس صحيحًا حيث إن له مخاطر كبيرة فصفقة واحدة خاسرة تتسبب في خسارة مكاسب عديدة، لا تقتصر على الخسارات المادية فقط؛ بل يتعدى ذلك إلى:
- التأثير على النفس وخسارة الثقة بالنفس والمنطق والوثوق في التداول مرة أخرى.
- الشك في الاستراتيجيات ومهارات التداول والانضباط.
- ترتبط الخسارة في ذهن المتداول بالقلق الخوف من اتخاذ قرارات والتردد في دخول صفقات قد تكون رابحة وبالتالي زيادة الخسائر.
- إمكانية الخروج من الصفقات الرابحة في وقت مبكر بسبب عدم الثقة على قدرة المتداول على إدارتها.
- الخوف من الدخول في الصفقات بشكل نهائي.
وتزداد أضرار التداول الانتقامي في منصات التداول والشركات وصناديق الاستثمار؛ بسبب وجود قواعد شديدة وفرض حدود سحب لا يمكن التفاوض عليها، فخطوة واحدة غير محسوبة تعرف الحساب للخطر.
كيفية تجنب التداول الانتقامي
بعد فهم ما هو التداول الانتقامي وأنه في الكثير من الأحيان يكون خارج إرادة المتداول، وعند ملاحظة العلامات التي تدل عليه لا بد من محاولة التوقف المؤقت من أجل التخطيط الجيد قبل العودة إلى الدخول في صفقات مرة أخرى، ويمكن ذلك من خلال مراعاة عدة أمور، وهي:
1- الحدود اليومية للخسارة
يجب تحديد مبلغ بالعملة النقدية أو نسبة كحد أقصى للخسارة في اليوم بما يتناسب مع أسلوب التداول، والتي يمكن للمتداول تحملها حيث إنه عند وصول الرصيد إلى تلك القيمة يقوم بإيقاف التداول من أجل ضمان القدرة على استمرار عملية التداول في اليوم التالي.
2- تسجيل جدول التداول اليومي
بعد كل صفقة من المهم كتابة الاستراتيجيات التي تم استخدامها، والأسباب التي دفعتك لدخولها، والشعور قبلها وبعد الدخول فيها، حيث إنها لا تؤثر فقط على الأداء بل على طريقة التفكير أيضًا، فمراقبة المشاعر هو الفرق بين المتداول المحترف والواعي والمتداول الذي يتعرض للخسائر المتكررة.
قد يهمك: أفضل العملات الرقمية للتداول اليومي وأهم الاستراتيجيات
3- الاستراحة بعد الخسارة
عند التعرض للخسارة لا بد من الابتعاد عن بيئة التداول قليلًا واتباع أي وسيلة تساعد على الراحة والاسترخاء لعدة دقائق من أجل الحد من التوتر وتجنب زيادة الوضع سوءً؛ حيث تساعد تلك الخطوة على عدم الاندفاع لصفقة خاسرة أخرى.
4- استخدام الحساب التجريبي
في حالة اندفاع المشاعر تمامًا والرغبة في التداول دون القدرة على التركيز يمكن استخدام حساب تجريبي للتداول دون خسارة حقيقية حيث تكون برأس مال غير حقيقي، وتلك الخطوة تساعد على توجيه الرغبة في اتجاه آمن دون كبحها، وهي مناسبة في الفترات التي يتراجع فيها السوق.
5- تحديد عدد الصفقات اليومية
قبل البدء في التداول من المهم تحديد عدد من الصفقات كحد أقصى يمكن الدخول فيه لانتقاء الصفقات المناسب لأسلوب التداول، ومعرفة لحظة التوقف لتقييم الصفقات وعدم الانجراف إلى التداول الانتقامي.
6- التحدث مع متداولين آخرين
التداول الفردي دون استشارة الآخرين يمكن أن يبعد المتداول عن الاستراتيجية والطريقة الصحيحة، لكن وجود شريك في التداول أو خبير يمكن استشارته يساعد في الحفاظ على الاتزان وعدم الاندفاع، ويقود المتداول إلى المسار الصحيح.
7- قائمة التحقق
قائمة التحقق هي عبارة عن قائمة تتضمن مجموعة من الأسئلة التي تدعم استراتيجية التداول، والتي يجب الرجوع إليها قبل الدخول في أي صفقة، ومن أبرز الأسئلة التي تحتوي عليها:
- هل تعتبر الصفقة جزء من خطة التداول؟
- هل التصرف نابع من العاطفة؟
- كم هي نسبة المخاطرة بالنسبة إلى العائد من الصفقة؟
- هل توجد أخبار مهمة حول الصفقة تم تجاهلها؟
فمراجعة تلك الخطوات قبل التداول يساعد على التفكير الجيد واستخدام المنطق بدلًا من المشاعر مما يحد من ارتكاب الأخطاء.
هل الوقوع في فخ التداول الانتقامي يدل على الضعف؟
يعتقد المبتدئين أن الوقوع في التداول الانتقامي أو استخدام العاطفة في التداول يدل على الضعف أو دليل على عدم امتلاك المهارات الكافية في هذا المجال، إلا أن الأمر ليس كذلك فعند التعامل مع المال والاحتمالات يكون من السهل الوقوع في الأخطاء حتى عند الوعي بها.
والشعور بالعاطفة بعد الخسارة ليس ضعف؛ بل هي طبيعة الإنسان، ولكن ردود الفعل المرتبطة بالعاطفة والتي لا تكون مخطط لها قد تؤثر على الاستمرار في التداول، وهنا يأتي دور التنظيم والذي يشمل مجموعة من المبادئ التي توجه المتداول للسيطرة على مشاعره.
فالفرق بين المتداول المبتدئ والمحترف أن الثاني يمتلك حدود واضحة حيث إنه يتمكن من معرفة الوقع المناسب للانسحاب ومراجعة الصفقات فهو يقوم بوضع نظام حماية لتجنب الدوافع السيئ والتوقف في الوقت المناسب.
وذلك من خلال الاهتمام بقوائم التحقق ووضع الحدود اليومية للتداول فهي من أبرز الأدوات التي توفر مساحة بين المحفزات وردود الأفعال وتساعد على اتخاذ قرارات أفضل.
لا يقتصر الحد من مخاطر التداول على مجرد معرفة ما هو التداول الانتقامي حيث إنه شعور يمكن ألا يدركه المتداول عند الوقوع فيه على الرغم من معرفته به، لذا لا بد من التعرف على علاماته وكيفية تجنبه من البداية أو التوقف في حالة البدء فيه؛ لما له من مخاطر طويلة الأجل لا تقتصر على الخسارة المادية فقط.